من يربح المعركة بين «غوغل» والصين: حرية الإنترنت أم الرقابة؟
محرك البحث الصيني - سوسو محرك البحث الصيني - soso محرك البحث الصيني المنافس لقوقل - رابط  رابط محرك البحث الصيني سوسو
واشنطن: محمد علي صالح
في المواجهة المستمرة بين حكومة الصين وشركة «غوغل»، صاحبة أكبر ماكينة بحث في الإنترنت، وهي المواجهة التي سمتها مجلة «ناشونال ريفيو» الأميركية اليمينية بـ«آخر مواجهة بين الرأسمالية والشيوعية»، يبدو أن الرأسمالية لا تريد ترك سوق المليار ونصف المليار زبون. فقبل يومين، أعلنت «غوغل» أنها لا تزال تراقب الرسائل عبر موقعها في الصين، على الرغم من أنها نقلت ماكينة البحث العملاقة إلى هونغ كونغ، التي تتمتع بالحكم الذاتي، ولا تتشدد في مراقبة الإنترنت وفقا لاتفاقية منح الإقليم الحكم الذاتي تحت الإدارة الصينية، واتفاقية «بلد واحد بنظامين»، التي تحدد العلاقة بين بكين وهونغ كونغ. وقالت جيسيكا باول، المتحدثة باسم «غوغل»: «وقعنا على عقود عن مراقبة رسائل إلكترونية، ونريد الاستمرار فيها حتى تنتهي فترتها»، غير أنها رفضت تحديد تاريخ لذلك.
فهل «غوغل» جادة في ترك الصين؟ أم هل تخشى أن منافسها بيل غيتس، صاحب شركة «مايكروسوفت»، وثاني أغنى رجل في العالم، سيبقى في الصين، ويملأ الفراغ بطرق أخرى؟ في يناير (كانون الثاني) الماضي، انتقد غيتس انسحاب «غوغل» من السوق الصينية، وقال: «نعم، يوجد خياران أمام كل مستثمر أجنبي: هل تريد إطاعة قوانين البلاد، أو لا تريد؟».
وسألت لارا فارار، مراسلة تلفزيون «سي إن إن» في الصين: «هل تريد (غوغل) حقيقة ترك الصين؟ ربما لا تريد. كل هذه السنوات، وافقت على الرقابة على ماكينة البحث والبريد. ثم، فجأة، أعلنت أنها ستسحب ماكينة البحث، وربما البريد أيضا. صار واضحا أن (غوغل) تحتار بين فرص الاستثمار العملاقة في الصين، وضغوط شعبية أميركية عن خضوعها لرقابة الحزب الشيوعي الصيني».
ومن الصين، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية:
أما الصينيون أنفسهم فهم يتناقشون عن مشكلة «غوغل» في موقعها المراقب. وأيضا في موقع مراقب آخر، هو «تويتر»، مدونات صغيرة لا تزيد الواحدة على 140 كلمة. وكتب صحافي صيني: «هانحن صرنا ثالث دولة لا تتوافر فيها خدمات (غوغل)، بعد إيران وكوريا الشمالية». وكتب فنان صيني، كان يناطح الحزب الشيوعي الصيني في الموقع: «انتقل كثير من الناس إلى (تويتر)، ولنر ماذا سيفعل الحزب الشيوعي مع تويتر!» وكتب أستاذ جامعي: «أنا حزين لأن (غوغل) رحلت..». (حذفت الرقابة الصينية بقية ما كتب).
في الجانب الآخر، شن صينيون هجمات عنيفة على «العدو غوغل»، ففي موقع تابع لصحيفة «الشعب»، التابعة للحزب الشيوعي الصيني، كتب شخص: «هاهم الإمبرياليون يغادرون وطننا خائبين». ونشر ثان أغنية «الاشتراكية عظيمة»، التي اشتهرت خلال سنوات الثورة الثقافية في الصين، قبل أربعين سنة تقريبا. وكتب ثالث: «لم تقدر الاستخبارات الأميركية على إخفاء صلتها بـ(غوغل)». وكتب رابع: «هذه ليست (غوغل)، هذه غوج، وهي كلمة صينية تعني «الأخ الهزيل». وكتب خامس: «لتذهب (غوغل) إلى الجحيم. عندنا (سوسو) و(بايدو)».
فما «سوسو» و«بايدو»؟ هما محركان بحث صينيان.
وحتى عندما كانت «غوغل» في قمتها في الصين، كانت تملك 30 في المائة فقط من سوق أدوات البحث على الإنترنت، فيما تملك «بايدو» 60 في المائة، و«سوسو» 10%. وفي يناير الماضي، عندما أعلنت «غوغل» أنها ربما ستترك السوق الصينية، قفزت أسهم «بايدو» إلى نسبة 50 في المائة محتلة جزءا من أسهم «غوغل» في السوق الصينية، التي هي في الواقع محرك الاقتصاد العالمي، وأمل الكون في الانتعاش الاقتصادي، جنبا إلى جنب مع السوق الهندية.
وقال إدوارد يو، رئيس مركز «أناليسيس إنترناشونال» في بكين: «لا تكاد شركة (بايدو) تخفي فرحها لانسحاب (غوغل) من الصين. لكن، ربما لن تستمر سيطرة (بايدو) كثيرا على السوق. تعمل شركات أخرى على منافستها، مثل شركة (سوسو)».
وتملك «سوسو» مجموعة شركات «تنيسنت» التي تبلغ استثماراتها 40 مليار دولار تقريبا. وعلى الرغم من أن هذه الاستثمارات تساوي ضعف استثمارات شركة «بايدو»، يساوي نشاط «سوسو» نصف نشاط «بايدو»، ويعود ذلك إلى أن مجموعة «تنيسنت» تركز على «سوسو» أقل من تركيزها على «كيو كيو»، التي تتخصص في البريد الإلكتروني.
وعن هذا قال مارك ناتكين، مدير مركز «ماربريدج» للاستشارات الاقتصادية في بكين: «ربما ستحول الشركة الأم جزءا من أرباح (كيو كيو) إلى (سوسو)».
يذكر أن أكثر من 300 مليون شخص في الصين يستعملون «كيو كيو»، وهم تقريبا مثل عدد سكان الولايات المتحدة.
لكن المنافسة الكبرى هي شركة «بنغ»، التي تملكها شركة «مايكروسوفت» الأميركية، شركة بيل غيتس. فحتى يوم أمس، قالت شركة «بنغ» إنها لن تترك السوق الصينية، مثلما فعلت منافستها «غوغل». ويبلغ عمر شركة «بنغ» أقل من سنة، ولم يكن سرا أن القصد من تأسيسها:
أولا: منافسة عملاقة البحث «غوغل». ثانيا: تطوير «إم إس إن» (ماكينة بحث مايكروسوفت). ثالثا: زيادة استثمارات «مايكروسوفت» بالإضافة إلى «ويندوز» و«إكسبلورر» و«إم إس إن بي سي».
وبسبب صلة «بنغ» بهذه المؤسسات العريقة، فقد قفزت شعبيتها سريعا، حتى وصلت، في الشهر الماضي، إلى ثالث أكبر ماكينة بحث في العالم، بعد «غوغل» و«ياهو».
لكن، تظل «غوغل» هي العملاقة بنسبة 85 في المائة من حجم السوق العالمية، مقابل 6 في المائة لـ«ياهو» و3 في المائة لـ«بنغ» أو بيل غيتس، الذي قبل أن تحتدم المنافسة مع «غوغل» في الصين، بدأ بالسوق الأميركية، وتحالف مع «ياهو»، إذ تحالفت «بنغ» مع «ياهو سيرش»، ماكينة بحث ياهو. ولأن الأخيرة شاخت وصارت بطيئة، فيتوقع أن تسيطر الجديدة على التحالف، وأن تصبح ماكينة البحث الرئيسية لزبائن «ياهو».
ثم انتقل بيل غيتس إلى الصين. وربما ما كان مصادفة أنه اختار كيو لو، وهو أميركي صيني، مديرا لقسم ماكينات البحث. وفي الحال، سافر الرجل إلى الصين للدعاية لجهاز «بنغ» الجديد.
وفي أول مؤتمر صحافي، سأله صحافيون صينيون عن معنى كلمة «بنغ»، وقال إنها تمثل صوت الضغط على زر «send» (أرسل) في الكومبيوتر. لكنها أضاف: «كما تعرفون، توجد الكلمة في اللغة الصينية، ومعناها: مستعد لتلبية الطلب. ربما مثل: (حاضر)».
وانشرحت صدور كثير من الصينيين وغيرهم، عندما عرفوا أن «بنغ» تسهل الوصول إلى مواقع إباحية، وذلك لأنها تقدر على تنزيل أنواع فيديو للكبار، ثم تخزنه، ثم تقدمه.
وردت «بنغ» بالآتي:
أولا: طمأنت الوالدين بأن هناك وسيلة لمنع تنزيل فيديو للكبار.
ثانيا: قالت إن التكنولوجيا نفسها يمكن استعمالها لتحاشي رقابة الحكومات.
ثالثا: في الوقت نفسه، تقدر الحكومات على استعمال التكنولوجيا نفسها لمنع فيديوهات إباحية وسياسية أيضا.
وخلال السنتين الماضيتين، غطى نقد نشاطات «غوغل» في الصين على نشاطات «بنغ» هناك، لأن الأخيرة دخلت الصين في السنة الماضية فقط. أغلبية نقد «غوغل» في الصين كان من منظمات حقوق الإنسان، لأن «غوغل» وافقت على شروط الرقابة التي قدمتها الحكومة الصينية.
وأخيرا وبعد أن صار واضحا أن «ضمير غوغل» صار يؤنب مؤسسيها لاري بيدج وسيرج برن، وأنهما يريدان التخلص من شروط الرقابة الصينية، اتجه بعض النقد نحو «بنغ»، وبخاصة أنها تطوعت، ووضعت تكنولوجيا الرقابة، وقدمتها، بالإضافة إلى حكومة الصين، إلى حكومات في العالم العربي، وفي كوريا الشمالية، وفي بورما.
وفي السنة الماضية، قالت مجلة «إنفورميشن ويك» الأميركية: «في محاولتها لمنافسة (غوغل)، لجأت (بنغ) إلى الإباحية. وزاد عدد زبائنها الذين يحبون فيديوهات الكبار».
وقالت ريبيكا ماكينون، أستاذة في قسم السياسة والتكنولوجيا في جامعة «برنستون» العريقة، التي تكتب كتابا عن «الحرية في عصر الإنترنت» في تعليق أرسلته إلى «الشرق الأوسط»، إنها لا تعتقد أن «بنغ» ستترك الصين، كما فعلت «غوغل»، قائلة بأن بيل غيتس وكبار المسؤولين في الشركة كرروا ذلك مرات كثيرة. وتابعت: «انتقد مسؤولون كبار في (بنغ) ما سموه (هروب غوغل) من السوق الصينية، وما سموه الواقعية، أي إن الشركات الأجنبية ليست وظيفتها تغيير الحكومات والسياسات، لكن التعامل مع الحكومة والسياسة الموجودة في البلد الذي تستثمر فيه».
وأضافت: «على الرغم من أن (بنغ) دخلت الصين في السنة الماضية، فقد دخلت الشركة الأم، (مايكروسوفت)، الصين قبل 20 سنة، وأسست (ويندوز) وغيرها من تكنولوجيات الكومبيوتر. هل يعني هذا أن سنواتها الكثيرة في الصين جعلتها تقتنع بأنه لا بد من التعايش مع النظام الحاكم في الصين؟ يبدو لي ذلك».
وليس سرا أن «غوغل» فازت على «مايكروسوفت» منذ سنوات، عندما نجحت في مجال البحث، ثم انتقلت إلى البريد.
وقالت لارا فارارا، مراسلة تلفزيون «سي إن إن» في الصين، إن الصينيين يريدون الانتصار في هذه المعركة مع غوغل، «سواء انتقلت إلى هونغ كونغ، أو لم تنتقل». وقالت إن شركة «توم دوت كوم»، التي يملكها لي كاي شنغ، الملياردير الصيني في هونغ كونغ، فعلا انتقلت من «غوغل» إلى «بايدو».
وتابعت: «يبدو أن هذه ستكون معركة، ليس بين الصين ومقاطعة هونغ كونغ الأكثر حرية، ولكن بين الصينيين و(غوغل).. بين الشركات الصينية والشركات الغربية».
في هذا النزاع، الخليط من عقائدي واقتصادي، يبدو أن بيل غيتس يريد أن يقف مع الربح.
ورحبت منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان بـ«الموقف الشجاع» لـ«غوغل» لرفض الانصياع لقواعد النظام الشيوعي الصيني، بقرارها التوقف عن ممارسة الرقابة الذاتية على محرك البحث «غوغل سي إن»، لكن يرى آخرون أن ممارسي الرقابة في الصين هم الذين ربحوا اختبار القوة هذا، الذي استمر شهرين، إذ لم يمتثلوا لتهديدات «غوغل» بالانسحاب.
لكن علامات استفهام تطرح حول الظروف التي أدت إلى انسحاب أكبر محرك للبحث في العالم من الصين، ولا سيما بعدما وافقت «غوغل» طيلة 4 سنوات على ممارسة الرقابة الذاتية لتأمين حضورها في هذه السوق العملاقة. وتساءل جان فيليب بيجا، من مركز الدراسات الفرنسية حول الصين المعاصرة في هونغ كونغ: «لماذا قرروا فجأة أنهم لا يستطيعون الخضوع للرقابة؟»، ويجيب «ثمة يقظة ضمير. إنهم يخسرون روحهم في الصين. حاولوا، لكن الأمر لم ينجح، وهذا تفسير نصف مقنع». وتعرضت المجموعة الأميركية أيضا لضغوط مارستها بكين العام الماضي، حين اتهمتها بالترويج للعنف والإباحية. وقد أصيبت بانتكاسة بعد استقالة رئيسها في الصين، لي كاي فو، صاحب الشخصية المميزة، ثم كانت هدفا لهجوم كثيف عبر الإنترنت.
وقال فيليب بيجا بأن «شيئا ما قد حصل»، من دون أن يستبعد أن يكون الصينيون انتهكوا اتفاقا مع «غوغل» حول خدمة البريد الإلكتروني التابعة لها «جي ميل» على سبيل المثال، أو أن تكون الولايات المتحدة «سئمت الهجمات التي يشنها قراصنة إنترنت» صينيون، ويكون قرار إقفال «غوغل»، الذي ينطوي على بعد سياسي واضح، «جاء ردا على ذلك».
وأضاف أن القضية يمكن أن تكون في نظر «غوغل» مجرد «مسألة استراتيجية تجارية»، في وقت يريد فيه العملاق الأميركي، الذي شكك فيه عدد كبير من البلدان، «إعادة تلميع صورته على الساحة الدولية». وإذا ما بدت الصين من جانبها منتصرة بتمسكها بمبدأ الرقابة، فإنه انتصار كان الطرفان خاسرين فيه.
وقال رينو دو سبينس، الخبير في شؤون الإنترنت في الصين، إن «الحكومة الصينية لم تتحكم في المعركة»، موضحا أن «كل الصحف تحدثت عن الرقابة بصراحة تامة. كان الأمر جديدا إلى حد كبير، مما حمل الجميع على مناقشة هذا الموضوع». وأضاف أن هذه الرقابة «مدانة بالكامل من قبل كل إمكانات الالتفاف عليها». وقال: «اليوم، ثمة توسع كبير لسوق الشبكات الخاصة في الصين في «بي إن»، وعدد كبير من المؤسسات الصينية الذائعة الصيت التي تبيع شبكات خاصة، للالتفاف على الرقابة». وأوضح دو سبينس أن «الرقابة اليوم غير ملائمة بسبب نضج الرأي العام الصيني». وتتوافر لمستخدمي الإنترنت الصينيين وسائل كثيرة ليست بالغة التطور ولا مرتفعة الكلفة - تبلغ كلفة أرخص الشبكات الخاصة 25 يورو سنويا - حتى يتجاوزوا برشاقة الجدار الكبير الذي أقامته بكين - بمساعدة التكنولوجيا الأميركية خصوصا - لمراقبة الإنترنت. ونقلت دراسة أجراها متخصصون عن بيجا قوله بأن «نحو 30% من مستخدمي الإنترنت يتخطون الجدار». وعلى الرغم من كل شيء، يعرب بعض محللي شؤون الإنترنت في الصين عن قلقهم من العواقب التي تنجم عن مغادرة «غوغل». وقالت ريبيكا ماكينون على موقعها بأن «الوضع في الصين، على صعيد الرقابة على الإنترنت وتنظيمه واستخدامه، لن ينتظم على الأرجح في القريب العاجل، ويمكن في الواقع أن يتفاقم».